يتم التشغيل بواسطة Blogger.

مختارات القراء لهذا الشهر

المتابعون

احصائيات

بث إعترافات [متهمين بالارهاب] على شاشات التلفاز مخالفة قانونية ودستورية خطيرة..!

يثير موضوع عرض أخبار التحقيقات الجنائية في الجريمة، وإعترافات المتهمين في مرحلة الأستدلال أو التحقيق الإبتدائي من خلال وسائل الإعلام (المرئية والمسموعة والمقروءة)، إشكاليات قانونية تتصل بالإجراءات الجنائية واحترام مبدأ دستوري هو أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته بقرار قضائي من محكمة مختصة. ويثير الموضوع إشكالية حقوقية تتصل بمبدأ ثابت من حقوق الإنسان ألا وهو إحترام حق الخصوصية، وعدم تشويه سمعة الإنسان إلا بموجب أدلة قضائية معتبرة.

أما استخدام ذريعة (حق الناس في معرفة الحقيقة) لعرض تفاصيل أقوال المتهمين في مراحل التحقيق الأولى (التي تسمى التحقيق الابتدائي)، فهو تدخل سافر وخطير في الشؤون القضائية. إن من المعروف قانوناً أن الإجراءات الجزائية القضائية تبدأ بمرحلة الاستدلال مروراً بمرحلة التحقيق الابتدائي وانتهاء بمرحلة المحاكمة حتى صدور حكم مبرم وقطعي في القضية. وهذا يعني أنه لا بد من الإلتزام بكل الإجراءات الجزائية المنصوص عليها قانوناً وأمام من يباشر هذه الإجراءات، سواء أكان المدعي العام ومساعديه من رجال الضابطة العدلية أم المحكمة المختصة التي تنظر في القضية.

وتكفل الدساتير، ومنها الدستور العراقي، بحق الأفراد في المحاكمة العادلة، وكذلك حقهم في عدم التعرض لخصوصياتهم أو التشهير بهم في وسائل الاعلام. كما أن من مقتضيات المحاكمة العادلة أن لا يتعرض القاضي إلى ضغوطات الرأي العام، أو الأغراض الحزبية الضيقة، أو إرضاء السلطات التنفيذية أو رجال الأحزاب في تحقيق مآربهم الشخصية.

إن الأتجاه الذي سلكته مختلف التشريعات الإعلامية، ومنها قانون المطبوعات العراقي، هو منع نشر إجراءات التحقيق الابتدائي بما فيها أقوال المتهمين في هذه المرحلة استنادا إلى قاعدة أن [المتهم برئ حتى تثبت إدانته] ولايجوز التشهير بشخص مادام لم يصدر بحقه حكم قضائي بات ومنه حق الإنسان في عدم التشهير أو فضح أسراره الخاصة.

إن ما تقوم به قنوات الإعلام الحكومية الخاضعة لسيطرة حزب الحكومة وللسلطة التنفيذية، من عرض إعترافات لمتهمين مازالوا في مرحلتى جمع الاستدلالات والتحقيق الابتدائي، أمر يخالف منطوق ومضمون الدستور العراقي وتحديدا المادة 19: منه خامساً : [المتهم بريء حتى تثبت إدانته في محاكمة قانونية عادلة]، ولا يحاكم المتهم عن التهمة ذاتها مرةً أخرى بعد الإفراج عنه إلا إذا ظهرت أدلةٌ جديدة منه وإذا ما كانت الاعترافات قد انتزعت بالتعذيب، وهو أمر وارد جدا في ظل إنتشار هذه الممارسات في أجهزة التحقيق في العراق، وخضوعها للسلطة التنفيذية وأهواء الحزب الحاكم لأغراض التصفيات الطائفية والتسقيط السياسي، فإن ذاك يعد مخالفة للمادة 35 من الدستور التي نصت:

أولاً :
أ - حرية الإنسان وكرامته مصونةٌ.
ب - لا يجوز توقيف أحد أو التحقيق معه إلا بموجب قرارٍ قضائي.
ج - يحرم جميع أنواع التعذيب النفسي والجسدي والمعاملة غير الإنسانية، ولا عبرة بأي اعتراف انتزع بالإكراه أو التهديد أو التعذيب، وللمتضرر المطالبة بالتعويض عن الضرر المادي والمعنوي الذي أصابه وفقاً للقانون".
كما أن نشر الأقوال في مرحلة الاستدلال والتحقيق الابتدائي فيه مس بحرية القضاء وتأثير معنوي على القضاة، وقد نصت المادة 85 من الدستور العراقي الدائم على ما يأتي: القضاة مستقلون، لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون، ولا يجوز لاية سلطة التدخل في القضاء او في شؤون العدالة.

ومن المؤكد أن نشر أو بث إعترافات المتهمين وهم مازالوا في أول مرحلة من مراحل التحقيق الابتدائي يضر بسير العدالة ويجعل التحقيق خاضعا لأهواء وضغوطات الرأي العام الذي قد يشكل عامل ضغط على القضاة في اصدار أحكامهم متأثرين بضغوط الرأي العام أو بالضغوط السياسية للأحزاب والتكتلات وضغط السلطة التنفيذية (الحكومة) التي تريد تحقيق مكاسب انتخابية او سياسية من عرض اعترافات قد يكون الهدف منها التسقيط السياسي كما هو في قضية اتهام حمايات طارق الهاشمي.

إن جرائم جسيمة بمثل تلك الموجه بها الاتهام الى حمايات طارق الهاشمي، تتطلب وقتا طويلا من التأني والنظر في الاقوال ومناقشة المتهمين، وجمع الادلة المادية واقوال الشهود واجراء كشوف الدلالة وهذه تتطلب أياما طويلة وليس مجرد 24 او 48 ساعة بين القبض والتحقيق وبين تسجيل الاعترافات تلفزيونيا ومنتجتها فنيا ومن ثم عرضها على الجمهور لأغراض سياسية بحتة، وهي تثير الشبهات في:

1 - الدوافع السياسية والرغبة في التسقيط السياسي للخصوم والمناوئين.
2 - إنتزاع الاعترافات بوسائل القهر والتعذيب وهو مادرجت عليه اجهزة التحقيق في العراق في العقود الاخيرة وخصوصا في هذه المرحلة بشهادة المنظمات الحقوقية الدولية.
3 - التأثير على القضاة والسلطة القضائية حيث لايعقل مطلقا لقاضي محترم يحترم نفسه ومهنته أن يعطي الإذن للسلطة التنفيذية أن تقوم باستجواب تلفزيوني لمتهمين مازالوا في مرحلة التحقيق الابتدائي وعرضها أمام الجمهور وهي لم تكتمل استيفاء الإجراءات القانونية المطلوبة بموجب قانون أصول المحاكمات الجزائية، وهذا يشكل إنتهاكا للسلطة القضائية وخرقا لاستقلاليتها.
4 - ماتم نشره مجتزءاً من اعترافات تبدو للعيان تلقينية يحمل الكثير من الشحن والتحريض الطائفي حيث أن الإجتزاء والتقطيع واضح في الاشرطة المعروضة والتي مازالت معروضة على موقع اليوتيوب تحمل عبارات ماكان ينبغي السماح بعرضها للعلن مثل "رافضي.." وهي كلمة تستثير مشاعر ملايين من الشعب العراقي وتملأ صدورهم بالغل والحقد في وقت يجب أن تتصرف السلطة التنفيذية بعقلانية وحكمة حقنا للدماء وامتصاصا للشحن الطائفي الذي مارسته في اكثر من مناسبة وبما لايخدم أمن العراق ووحدة المجتمع العراقي.

إن نشر إعترافات منتزعة تحت التعذيب والقهر، وبأساليب نعرفها ويعرفها العراقيون وكل من مر بتلك الأقبية المسماة مقرات التحقيق، ولأغراض سياسية وتصفية حسابات بين السياسيين أمر يضر بالأمن الإجتماعي في بلد محطم منتهك منخور بالفتنة الطائفية والشحن الطائفي، ولن تزيد الواقع العراقي إلا تمزيقا وتخريبا. وأعتقد أن القضاء العراقي يواجه اليوم تحدياً خطيراً يمس استقلاليته ونزاهته وتاريخه المجيد، وان الكادر القضائي العراقي يمر بإمتحان عسير، يجب عليه أن يتجاوزه بشجاعة، ويكون عادلا في قراراته لايخضع لإبتزاز السلطة التنفيذية ولا لسطوة حزب أو ميليشيا، ولا يخضع لرأي عام متهور تصنعه الفبركات الاعلامية ذات الغايات المشبوهة.

ويجب ان يكون القضاء العراقي كما نعرفه حياديا ومنصفا وشجاعا، فاستقرار البلاد بيده واصدار القرارات العادلة بأعناق القضاة وتطبيق القانون واجبه، والابتعاد عن ضغط رئيس الحكومة الواضح وعدم جعل نقطة البداية للسير بطرق التفرد ان يستخدم القضاء كأداة فهذه كارثة ويجب ان تكون قوات الشرطة والجيش حرفية ومهنية وعلى القاضي أن لا يتراجع عن قرار يراه مناسبا، وسيكون المواطن سند القاضي شرط ان يكشف الفساد والسرقات والتزوير واستغلال المنصب وليس فقط القتل والتفجير كون كل هذه الجرائم ارهابا وساهمت بخراب العراق، وعلى السياسيين جمعيا ومن الاطراف كافة الابتعاد عن التاثير والضغط على القضاة وان يجعلوا القانون ياخذ مساره واجراءاته القانونية وصولا لقرارات تقنع الجميع و تكون مطابقة للقانون بعيدا عن الاستغلال والتسييس. ولايزال الناس يستفسرون عن عشرات بل مئات وآلاف الجرائم التي وقعت ولكن ما زالت مجهولة لأنها قيدت ضد مجهول.


اذا اعجبتك هذه التدوينة فلا تنسى ان تشاركها وتساعدنا على نشر المدونة ، كما يسعدنا ان تنضم الى قائمة المشاركين في عراق اليوم من خلال (نشرات rss)

0 التعليقات:

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...